مقالات

رقصة الحياة

أحمد الحامد⁩

هل صادف وشاهدتم يوماً الصيصان الراقصة؟ تلك التي يعرضها بائعو الصيصان وهم يضعونها فوق صفيح معدني مع تشغيل الأغاني والموسيقى فترقص على أنغامها؟ لا.. لم تشاهدوها؟ حسناً..
حكى لي أحد الزملاء ما شاهده في إحدى سفراته لدولة عربية، فبينما كان يمشي في أحد الأسواق الشعبية، شاهد صيصانًا ملونة ترقص بخفة عجيبة فوق صفيح معدني، ترفع قدماً وتخفض قدماً برشاقة، تلتف حول نفسها بطريقة الباليه، تصدر أصواتاً توازي زمن الإيقاع في الموسيقى، بينما البائع يهتف: صيصان بترقص… قرّب قرّب صيصان بترقص، يقول بإنه اقترب مندفعاً ومندهشاً، يراقب هذا المنظر العجيب، ومعجباً بقدرة هذا البائع البسيط على تدريب الصيصان على الرقص.. فعلاً في الحارات الشعبية إمكانيات لم تظهر للعالم بصورة منصفة.. هذا ما ردده على نفسه، لكنه لم ينتظر طويلاً فقرر شراء كل الصيصان التي كانت على الصفيح، ستكون متعته طوال الأيام المتبقية قبل أن يعود إلى وطنه، وهناك عندما يعود، يكون قد عاد بما سيدهش، كما تخيل نفسه وهو يرفض كل العروض المقدمة لشراء أحد صيصانه الراقصة، ورغم أن الصوص الواحد كان ثمنه أغلى من ثمن دجاجة كبيرة، إلا أن الأمر لا يقاس بالحجم، بل بالمهارة والسحر، عاد سريعاً ودخل شقته، نادى على زوجته وأطفاله، أخرج الصيصان من قفصها ووضعها في صحن كبير، رفع صوت الأغنية.. لكنها لم ترقص.. أبدل الأغنية بأغنية ثانية، حرك الصيصان بيديه محاولاً تذكيرها بمهمتها ومهارتها، لكنها لم ترقص.. بعد نظرات زوجته عرف بأنه كان ضحية نصب.. لم يهمه المبلغ الذي دفعه، ولا كونه ساذجاً ممن يقعون في شراك النصابين، كل ما أراد أن يعرفه هي الطريقة التي استطاع بها بائع الصيصان من أن يجعلها راقصة كما بدت، عندما عاد إلى بائع الصيصان كان هناك صيصان جديدة ترقص، اقترب أكثر، ثم استدار إلى حيث الجهة التي يقف فيها بائع الصيصان، شاهد ناراً تنبعث إلى أسفل الصحن، فعرف السبب الذي أرقص الصيصان. كان البائع يشعل ناراً لا يراها المارّة، وكانت الصيصان ترفع قدماً وتنزل قدماً لكي تتخفف حرارة الصفيح الساخن على أقدامها فتبدو وكأنها ترقص، المشهد الذي كانت عليه الصيصان وهي ترقص من على بُعد، مشهد فني ساحر، وبعيداً عن خباثة البائع، إلا أن الصيصان كانت دائماً تبدو كما الفنان الذي يحول معاناته إلى إنتاجات فنية تسعد الناظر والسامع والقارئ، أما بائع الصيصان فبدا لدي كمن يشبه الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى